أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

10

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

أظلّته سحابة ، فصارت عليه ظلّة . ثم لم يكتف بذلك حتى جعلها ظللا متراكمة مبالغة في الوصف . وحكي في ظلل - بضمتين - فقيل : يجوز أن يكون جمع ظلال ظلل ، فهو جمع الجمع ، وهذا مردود بقاعدة تصريفية ؛ وهو أن فعالا وفعالا إن كانا مضاعفين أو معتلّي اللام لزمهما الجمع على أفعلة نحو زمام وأزمّة . وقد يقال : لما ورد في لسانهم كما يشهد بذلك مساغ القول . وقد قالوا : عنان وعنن وحجاج وحجج . وكان الذي حمل هذا القائل - واللّه أعلم - على القول بذلك مع شذوذه أنّ هذا اللفظ قد ورد في صفة أهل النار بقوله لهم : مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ « 1 » جعل أطباق النار - أعاذنا اللّه منها - ظللا « 2 » لمن فيها وبئس الظّلّ . فقوله : لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ ظاهر ؛ فإنّ الظّلّة ما علا فأظلّ . وأمّا قوله : وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ فباعتبار من تحتهم من المعذّبين في الطبقة التي تحتهم ، فبالنسبة إلى من فوق هي كالأرض ، وإلى من تحت ظلّة ، وهذا كسقفين ؛ فإنّ الذي تحت يقال فيه ظلّة ، وغير ظلّة بالنسبة والإضافة ، وهذا كقوله تعالى في المعنى : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ « 3 » . قوله : عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ « 4 » هي سحابة أنشأها اللّه تعالى كان فيها عذاب مدين ؛ قيل : أصابهم ذلك اليوم حرّ عظيم إلى أن كادوا يهلكون ، فأرسل اللّه ظلّة كثيفة ، أي سحابة متراكمة ، فهرعوا إليها يستجيرون بها من الحرّ ، فلمّا تكاملوا تحتها أطبقت عليهم بعذابها ، فلم ير يوم مثله « 5 » . وحكى الفراء : أظلّ يومنا ، أي صار ذا ظلّ وهو السحاب . قوله تعالى : انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لا ظَلِيلٍ « 6 » سّماه ظلا تهكّما بهم أو في الصورة من حيث إنه متراكب لا شمس فيه . ثم لما وصفه بوصفين بكونه ظلا وبكونه [ ساترا ] نفى عنه هذين الوصفين ؛ فقال : ليس بظليل على ما يتعارفونه ، ونفى عنه فائدة الظلّ المتعارف ،

--> ( 1 ) 16 / الزمر : 39 . ( 2 ) في الأصل : ظلل . ( 3 ) 54 و 55 / العنكبوت : 29 . ( 4 ) 189 / الشعراء : 26 . ( 5 ) وانظر قصتهم في معجم أعلام القرآن . ( 6 ) 30 و 31 / المرسلات : 77 .